الراغب الأصفهاني

272

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ما يحسن ويقبح من الصدق والكذب ذهب كثير من المتكلمين إلى أن الصدق يحسن لعينه والكذب يقبح لعينه « 1 » ، وقال كثير من الحكماء والمتصوفة : إن الكذب يقبح لما يتعلق به من المضار الحاصلة منه والصدق يحسن لما يتعلق به من المنافع الحاصلة منه وذلك أن الأقوال من جملة الأفعال . وشيء من الأفعال لا يحسن لذاته بل إنما يحسن ما يحسن لما يتعلق به من المنافع ويقبح ما يقبح لما يتعلق به من الضرر الموفى على ما فيه من النفع وبالعكس ، ألا ترى أن أعظم ما يجري في العالم القتل والغصب وقد يقع كل واحد منهما على وجه يحسن وعلى وجهه يقبح ، وكذا المقال من الصدق والكذب ولذلك قال عليه السّلام : « لا يحسن الكذب إلا في ثلاث : إصلاح ذات البين وكذب الرجل لامرأته ليرضيها وكذب الرجل في الحرب فإنها خدعة » « 2 » وقد روي عنه عليه السّلام : « إذا أتاكم عني حديث يدل على هدي أو يرد عن ردي فاقبلوه قلته أو لم أقله وإن أتاكم عني حديث يدل على ردي أو يصد عن هدي فلا تقبلوه فإني لا أقول إلا حقا » « 3 » .

--> ( 1 ) لعله يشير بذلك إلى المعتزلة ومن لف لفهم ممن يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين ، فالحسن - عندهم - ما حسنه العقل ، والقبيح ما قبحه العقل . ويقصدون بالحسن هنا المعنى الأخلاقي لا الجمالي ، ولهم في ذلك آراء تتصل بالوجوه الذي من أجلها يحسن فعل ما ، أو يقبح فعل ما ، رابطين هذا بذم صاحب الفعل أو مدحه . انظر / المغنى / 6 / 57 ، 58 ، وكذا شرح الأصول الخمسة / 306 - 308 ، ود . محمد الجليند / مشكلة الخير والشر في الفكر الإسلامي / 51 - 63 . ( 2 ) روى مسلم ما يتفق عليه المعنى هنا ، ولكن اللفظ مختلف . مسلم / كتاب البر والصلة باب / 27 حديث / 2605 ( مجلد 4 من طبعة دار الافتاء ) . ( 3 ) ورد في هذا المعنى عدة روايات ، قال السخاوي - وذكر له روايات ضعيفة - الحديث منكر جدا ، وقال العقيلي : ليس له إسناد صحيح ، وقال عنه ابن حجر : -